ابن أبي أصيبعة

15

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

قال قينون « 1 » الترجمان : لما كان في سنة خمس وسبعين ومائة ، مرض " جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك " « 2 » فتقدم " الرشيد " إلى " بختيشوع " أن يتولى خدمته ومعالجته ، ولما كان في بعض الأيام ، قال له " جعفر " : أريد أن تختار لي طبيبا ماهرا ، أكرمه وأحسن إليه . قال له " بختيشوع " : ابني ( جبريل ) « 3 » أمهر منى ، وليس في الأطباء من يشاكله . فقال له : أحضرنيه ، ولما أحضره ، عالجه في مدة ثلاثة أيام « 4 » وبرأ فأحبه " جعفر " مثل نفسه . وكان لا يصبر عنه ساعة ، ومعه يأكل ويشرب . وفي تلك الأيام تمطت حظية « 5 » " الرشيد " ورفعت يدها فبقيت منبسطة لا يمكنها ردها ، والأطباء يعالجونها ( بالتمريخ ) « 6 » والأدهان ، ولا ينفع ذلك شيئا ؛ فقال " الرشيد " لجعفر بن يحيى : قد بقيت هذه الصبية بعلتها . قال له " جعفر " : لي طبيب ماهر ، وهو ابن " بختيشوع " ، تدعوه وتخاطبه في معنى هذا المرض ، فلعل عنده حيلة في علاجه . فأمر بإحضاره ، فلما حضر ، قال له " الرشيد " : ما اسمك ؟ . قال : جبريل ، فقال له : أي شئ تعرف من الطب ؟ « 7 » فقال له : أبرد الحار وأسخن البارد ، وأرطب اليابس ، وأيبس الرطب « 8 » . فضحك الخليفة ، وقال : هذا غاية « 9 » ما يحتاج إليه في صناعة الطب ، ثم شرح له حال الصبية ، فقال له جبريل : إن لم يسخط على أمير المؤمنين ، فلها عندي حيلة . قال له : وما هي ؟ ، قال : تخرج الجارية إلى هاهنا بحضرة الجمع حتى أعمل ( ما أريده ) « 10 » ، وتمهل على ولا تعجل بالسخط . فأمر " الرشيد " بإحضار الجارية ، فخرجت . وحين رآها " جبريل " ، عدا ( إليها ) « 11 » ونكس رأسه ومسك ذيلها كأنه يريد يكشفها ، فانزعجت الجارية ، ومن شدة الحياء والانزعاج استرسلت أعضاؤها ، وبسطت يديها إلى أسفل ومسكت ذيلها . فقال " جبريل " قد برئت يا أمير المؤمنين . فقال " الرشيد " للجارية : ابسطى يديك يمنة ويسرة . ففعلت ذلك ، فعجب " الرشيد " وكل من كان بين يديه . وأمر " الرشيد " في الوقت لجبريل بخمسمائة ألف درهم ، وأحبه مثل نفسه ، وجعله رئيسا على جميع الأطباء .

--> ( 1 ) اختصار في ك مقداره ورقة ، ويرمز له دائما بالعلامة " - " . ( 2 ) في ج ، د " يحيى بن خالد " وهو خطأ ، والصحيح هو : أبو الفضل " جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك " الفارسي ، وزير هارون الرشيد ، وكان عالما مؤدبا كريما واسع العطاء ، بلغ أعلى منازل الوزراء في عصره ، وتولى نيابة دمشق سنة 180 ه ، فاستخلف عليها أحد رجاله ، ولزم هارون الرشيد ، وكان الرشيد يحبه ولا يبتعد عنه ؛ فزوجه من أخته العباسة ، ولكنه ما لبث أن نكل بالبرامكة ، وقتله في أول صفر سنة 187 ه ، وعمره 37 سنة . انظر : سير أعلام النبلاء للذهبي : 9 / 59 ، تاريخ بغداد للبغدادي : 7 / 152 ، النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى : 2 / 123 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 1 / 311 . ( 3 ) إضافة للتوضيح من ك . ( 4 ) ساقط في ج فقط . ( 5 ) في د فقط : " خطيئة " . ( 6 ) في أ : " بالمربخ " ، والمثبت من ج ، د ، والتمريخ : المروخ ، هو ما يدهن به البدن من دهن وغيره . انظر المعجم الوسيط : ج 2 ص 861 . ( 7 ) في ج ، د : " الطيب " . ( 8 ) في طبعة مولر زيادة : " الرطب الخارج عن الطبع " . ( 9 ) ساقط في ج ، د . ( 10 ) في أ ، ج ، د : " بما نريده " ، والمثبت أولى . ( 11 ) في أ : " عليها " ، والمثبت من ج ، د .